ابن الفارض

239

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

وما كنت تدري قبل يومك ما جرى * بأمسك أو ما سوف يجري بغدوة فأصبحت ذا علم بأخبار من مضى * وأسرار من يأتي مدلا بخبرتي أي : وقيل لي أيها الرائي في النوم إذا ركدت حواسك ، أي سكنت بسبب غفوة ، أي : نومة خفيفة من الذي ألقى عليك علومه التي لم تعلم قبل نومك من علوم الحوادث الماضية والآتية ، فأصبحت عالما بأخبار الماضيين وأسرار الآتين مدلّا متباهيا بسبب خبرة حاصلة لك أتحسبه غيرك وهو عينك ، كما قال : أتحسب من جاراك في سنة الكرى * سواك بأنواع العلوم الجليلة وما هي إلّا النّفس عند اشتغالها * بعالمها عن مظهر البشرية تجلّت لها بالغيب في شكل عالم * هداها إلى فهم المعاني الغريبة وقد طبعت فيها العلوم وأعلنت * بأسمائها قدما بوحي الأبوّة ( المجاراة ) أن تجري المكالمة بين المتخاطبين ، والباء في ( بأنواع ) صلة جاراك ، والضمائر [ 304 / ق ] المؤنّثة كلّها للنفس ، أي : تظن من خاطبك في غفوة النوم بأنواع العلوم الخطيرة غيرك ، و ( ما هي إلّا نفسك ) المتجلّية لها في عالم الغيب في صورة عالم ( هداها إلى فهم المعاني الغريبة ) ، وذلك التجلّي يكون عند تجرّدها من مظهر البشرية ، أي البدن ، و ( اشتغالها بعالمها ) الذي هو عالم الغيب وإعلامها العلوم الغيبيّة ؛ لأنها جلت فيها وأعلمت بأسمائها يعني حقائقها ، ( قدما ) أي في الأزل بوحي الأبوّة أي بإشارة انتهاء الرّوح الأعظم التي علمنا اللّه تعالى على كل الأسماء ، فالعالم والعلم والمتعلّم في النوم واحد ، فتنعم النفس وتمتعها بالعلم في المنام ليس من تعليم الغير وإملائه ؛ كما قال : وبالعلم من فوق السّوى ما تنعّمت * ولكن بما أملت عليها تملّت تملى يتملى تمليّا : تمتع ، أي : ما تنعّمت النفس بالعلم من تفرقة الغير ، بل تمتّعت بإملائها العلوم عليها ، ثم قال : فلو أنّها ، قبل المنام تجرّدت * لشاهدتها مثلي بعين صحيحة أشار إلى أنه شهد النفس في اليقظة شهود الغير إيّاها في المنام لتجرّدها عن غواشي الطبيعة وعلق مثل مشاهدته لا غير على تجرّد نفسه ؛ كأنه سأل سائل : كيف تشاهد النفس في اليقظة وأنا لا أراها ؟ فأجابه : بأن المانع تعلق نفسك بعوائق الطبيعة ،